البيئة في العراق.. أزمة لم تعد تحتمل التأجيل

لم تعد التحديات البيئية في العراق قضية هامشية يمكن تأجيلها أمام الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، بل أصبحت واحدة من القضايا التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، من الماء الذي يشربه والهواء الذي يتنفسه، إلى الأرض التي توفر غذاءه ومستقبل أبنائه.

فالعراق يواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة على موارده المائية، بالتزامن مع آثار التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة والتصحر وتدهور الأراضي. ورغم التحسن الذي شهده الخزين المائي بعد موسم الأمطار الأخير، فإن هذا التحسن لا يعني انتهاء الأزمة، بقدر ما يمنح البلاد فرصة ينبغي استثمارها لإعادة النظر في طريقة إدارة المياه وحمايتها من الهدر والتلوث.

ويظل تلوث نهري دجلة والفرات من أكثر القضايا إثارة للقلق. فحماية هذين النهرين لا تتعلق بالبيئة وحدها، بل بالصحة العامة والزراعة والأمن الغذائي واستمرار الحياة في مدن وقرى عراقية عديدة. ومن هنا، فإن معالجة مياه الصرف ومنع تصريف الملوثات وتشديد الرقابة البيئية يجب أن تتحول من خطط وتعهدات إلى إجراءات صارمة ومستدامة.

أما في المدن، فتزداد الحاجة إلى مواجهة تلوث الهواء الناتج عن مصادر متعددة، بينها عوادم المركبات والانبعاثات الصناعية والغبار، فضلاً عن تراجع المساحات الخضراء. وفي الوقت نفسه، يواصل التصحر والملوحة وتدهور الأراضي تهديد البيئة الزراعية والتنوع الحيوي، ما يجعل آثار الأزمة تمتد من الريف إلى قلب المدن.

وقد شهد العراق خلال عام 2026 خطوات مهمة لتعزيز مراقبة المياه والهواء ومواجهة تدهور الأراضي، فضلاً عن تحديث التزاماته المناخية. وهي مؤشرات إيجابية، لكن نجاحها سيُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بعدد الخطط والاستراتيجيات المعلنة.

العراق بحاجة اليوم إلى مشروع بيئي وطني طويل الأمد، يقوم على إدارة رشيدة للمياه، وتوسيع مشاريع التشجير والأحزمة الخضراء، وتشجيع الطاقة النظيفة، وتحديث شبكات الصرف الصحي، ومحاسبة الجهات الملوثة، وإشراك الجامعات والمنظمات والمجتمع في حماية الموارد الطبيعية.

إن إنقاذ البيئة العراقية ليس ترفاً ولا شعاراً للمستقبل. إنه استثمار في صحة العراقيين واقتصادهم وأمنهم واستقرارهم. وما نخسره اليوم من ماء وأرض وهواء نقي قد يكون إصلاحه غداً أكثر صعوبة وكلفة.

حماية البيئة مسؤولية دولة ومجتمع، ومستقبل العراق لن يُقاس فقط بما يبنيه من مدن وطرق، بل أيضاً بما يحافظ عليه من ماء وأرض وهواء للأجيال القادمة.

قسم الأبحاث في حزب الخضر الكوردستاني

وەڵامێک بنووسە

پۆستی ئەلیکترۆنییەکەت بڵاوناکرێتەوە. خانە پێویستەکان دەستنیشانکراون بە *